ابراهيم بن عمر البقاعي

72

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

لحكم التوراة ، وهذه الأنثى مع ما لها من العلو في نفسها ستكون سببا في السؤال في نبي هو أعظم أنبيائهم ، وتلد صاحب شريعة مستقلة ، ثم يكون مقررا لأعظم الشرائع . ولما تم ما قالته عند الوضع أو قاله اللّه في تلك الحالة أتم سبحانه وتعالى الخبر عن بقية كلامها وأنها عدلت عن مظهر الجلالة إلى الخطاب على طريق أهل الحضرة ، وأكدت إعلاما بشدة رغبتها في مضمون كلامها فقال حاكيا : وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ ومعنى هذا الاسم بلسانهم : العابدة . قال الحرالي : فيه إشعار بأن من جاء بشيء أو قربه فحقه أن يجعل له اسما ، ورد أن السقط إذا لم يسم يطالب من حقه أن يسميه فيقول : يا رب ! أضاعوني ، فكان من تمام أن وضعتها أن تسميها ، فيكون إبداؤها لها وضع عين وإظهار اسم ، لما في وجود الاسم من كمال الوجود في السمع كما هو في العين ، ليقع التقرب والنذر بما هو كامل الوجود عينا واسما . ولما كانت محررة للّه سبحانه وتعالى كان حقا أن يجري اللّه سبحانه وتعالى إعاذتها قولا كما هو جاعلها معاذة كونا من حيث هي له ، وما كان في حمى الملك لا يتطرق إليه طريدة فقالت : وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وفي قوله : وَذُرِّيَّتَها إشعار بما أوتيته من علم بأنها ذات ذرية ، فكأنها نطقت عن غيب من أمر اللّه سبحانه وتعالى مما لا يعلمه إلا اللّه ، فهو معلمه لمن شاء . ولما كان من في حصن الملك وحرزه بجواره بعيدا ممن أحرقه بنار البعد وأهانه بالرجم حققت الإعاذة بقولها : مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ * وفي هذا التخليص لمريم عليهاالسّلام بالإعاذة ولذريتها حظ من التخليص المحمدي لما شق صدره ونبذ حظ الشيطان منه وغسل قلبه بالماء والثلج في البداية الكونية ، وبماء زمزم في البداية النبوية عند الانتهاء الكوني ، فلذلك كان لمريم ولذريتها بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم اتصال واصل ؛ قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم ، من أجل أنه ليس بيني وبينه نبي ، وبما هو حكم أمامه في خاتمة يومه وقائم من قومة دينه » « 1 » . ولما أخبر بدعائها أخبر بإجابتها فيه فقال : فَتَقَبَّلَها فجاء بصيغة التفعل مطابقة لقولها ( فتقبل ) ، ففيه إشعار بتدرج وتطور وتكثر ، كأنه يشعر بأنها مزيد لها في كل طور

--> ( 1 ) صحيح . لكن بلفظ « أنا أولى الناس بابن مريم ، والأنبياء أولاد علّات ليس بيني ، وبينه نبي » . أخرجه البخاري 3442 بهذا اللفظ و 3443 وعجزه « والأنبياء إخوة لعلّات أمهاتهم شتى ودينهم واحد » . وكذا أخرجه مسلم 2365 وأحمد 2 / 437 . 482 . 541 وابن حبان 6194 و 6195 كلهم من حديث أبي هريرة . قال الحافظ في الفتح 6 / 489 : العلّات بفتح المهملة . العين الضرائر . وأصله تزوج امرأة ثم تزوج أخرى كأنه علّ منها . تنبيه : وأما سياق المصنف فقريب .